أحمد بن علي الرفاعي الكبير
94
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى
تنبّه يا من يريد اجتماع الناس عليه ، واعتقادهم به ! كم طيّرت طقطقة النعال حول الرجال من رأس ؟ وكم أذهبت من دين ؟ اللهم سلّم ، اللهم سلّم . اعلم أن الناس أربعة أصناف : 1 - رجل جعل اللّه قلبه بصيرا ، ينظر بنور اليقين إلى لطائف صنعه وكمال قدرته . 2 - ورجل جعل اللّه عقله بصيرا ، ينظر بنور الفطنة إلى الوعد والوعيد . 3 - ورجل جعل اللّه سره بصيرا ، ينظر في كل الأوقات بنور المعرفة ، إلى اللّه تعالى . 4 - ورجل جعله اللّه مكفوفا ، لا يبصر شيئا ! فهو مظهر قوله تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( 72 ) [ الإسراء : 72 ] . واعلم أن الكفار محجوبون بظلمة الضلالة ، عن نور الهدى . وأهل المعصية محجوبون بظلمة الغفلة ، عن أنوار التقوى . وأهل الطاعة محجوبون بظلمة رؤية الطاعة ، عن أنوار رؤية التوفيق ، وعناية المولى ، فإذا رفع اللّه عنهم هذه الحجب ، نظروا بأعين النور إلى النور ، فعند ذلك يحجبون عن غيره به . فكل من نظر إلى حركاته وأفعاله في طاعة اللّه ، صار محجوبا عن وليها مفلسا . ومن نظر إلى وليها ، صار محجوبا به عن رؤيتها ، لأنه إذا رأى عجزه عن تحقيقها وإتمامها ، صار مستغرقا في امتنانه . وربما يحجب برؤية العبادة عن وجدان حلاوتها . وربما يحجب برؤية وجدان الحلاوة عن صحة الإرادة . وربما يحجب برؤية المنّة عن المنّان سبحانه . قال النساج رحمه اللّه تعالى : من رأى نفسه عند الطاعة ، لم يتخلص من العجب ! . ومن رأى الخلق ، لم يتخلص من الرياء ! . ومن رأى الطاعة ، لم يتخلص من الغرور ! . ومن رأى الثواب ، لم يتخلص من الحجاب ! . ومن رأى الربّ تعالى ، فذلك في مقعد الصدق ، عند مليك مقتدر .